في تقرير مطوّل، يوضح الصحفيان جيسون بيرك وسفيان طه أن باحثين يشكّلان كامل فريق إسرائيل/فلسطين في منظمة هيومن رايتس ووتش قدّما استقالتيهما احتجاجًا على قرار الإدارة حجب تقرير خلص إلى أن إنكار إسرائيل لحق عودة اللاجئين الفلسطينيين يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية.

 

ويرى الكاتبان أن الواقعة فجّرت أزمة داخل واحدة من أبرز منظمات حقوق الإنسان عالميًا، وأثارت أسئلة صعبة حول استقلالية البحث الحقوقي وحدود الضغوط السياسية.


تشير الجارديان إلى أن التقرير المجمّد كسر تقاليد المراجعة المعتادة داخل المنظمة، وأن قرار الإيقاف عكس – بحسب المستقيلين – تغليب الخشية من ردود فعل سياسية على الالتزام الصارم بالقانون الدولي.


تقرير مُعلّق واستقالات مدوّية

 


أعلن عمر شاكر، الذي قاد فريق إسرائيل/فلسطين قرابة عقد، وميلينا أنصاري، الباحثة المساعدة، استقالتيهما بعد أن منعت قيادة المنظمة نشر تقرير يعتبر إنكار حق العودة للفلسطينيين «جريمة ضد الإنسانية». وكتب شاكر في رسالة استقالته أنه فقد ثقته في نزاهة آليات العمل والالتزام بالمبادئ، وأنه لم يعد قادرًا على تمثيل المنظمة.


وقالت قيادة المنظمة إن التقرير يثير قضايا قانونية «معقّدة وعميقة الأثر»، وإن المراجعة خلصت إلى ضرورة تعزيز الأساس البحثي والقانوني قبل النشر، فجرى تعليق الإصدار لاستكمال التحليل. غير أن المستقيلين أكدا أن المسودة خضعت لمراجعات واسعة داخلية عبر أقسام متعددة، وأن إيقافها جاء خارج السياق المعتاد.


«الخط الأحمر»: حق العودة

 


يرى شاكر أن تطور النقاش العام خلال السنوات الأخيرة سمح بطرح مفاهيم مثل الفصل العنصري والإبادة والتطهير العرقي في سياق إسرائيل/فلسطين، لكن حق العودة بقي «الخط الأحمر» الذي تتردد المؤسسات – حتى الحقوقية منها – في تطبيق القانون والوقائع عليه بلا انتقائية.


ويجادل داعمو إسرائيل بأن عودة اللاجئين وذريتهم ستنهي الطابع اليهودي للدولة. في المقابل، تؤكد قيادة المنظمة التزامها التاريخي بحق العودة، وتقول إن الخلاف لا يدور حول المبدأ، بل حول الصياغة القانونية وامتداد الاستنتاجات. وأوضح المدير التنفيذي الجديد في رسالة للموظفين أن مراجعة مستقلة جارية لاستخلاص الدروس، واصفًا ما حدث بأنه اختلاف مهني حسن النية حول أسئلة قانونية ودعوية معقّدة.


من البحث إلى «الأفعال اللاإنسانية الأخرى»

 


بدأ العمل على التقرير في يناير 2025 بوصفه امتدادًا لتقرير سابق عن النزوح الداخلي في غزة. وخلال المقابلات، ربط لاجئون بين معاناتهم الراهنة وصدمة التهجير المتوارثة منذ 1948 و1967.


المسودة – التي اطّلعت عليها «الجارديان» – وثّقت أوضاع لاجئين داخل الأراضي المحتلة وفي لبنان والأردن وسوريا، وتوصلت إلى استنتاج قانوني جديد: إنكار حق العودة يندرج ضمن جريمة «الأفعال اللاإنسانية الأخرى» وفق نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية، وهي فئة تُغطي انتهاكات جسيمة تُسبب معاناة كبيرة دون أن تنطبق عليها تصنيفات أخرى حرفيًا. واستند التقرير إلى سابقة قضائية للمحكمة عام 2018 بشأن الروهينغا، حيث اعتُبر منع العودة جريمة ضد الإنسانية.


اعتبر شاكر أن إدخال هذا الاستدلال من نطاق الأكاديميا إلى العمل الحقوقي يمنح اللاجئين أداة قانونية محتملة لمساءلة السلطات، بينما رأى منتقدون داخل المنظمة أن الاستنتاج يحتاج سندًا أوسع وأن نطاقه قد يُساء فهمه دعويًا.


اعتراضات داخلية وضغوط السمعة

 


أبدى مسؤولون قلقهم من اتساع نطاق التقرير ومن تداعياته على مصداقية المنظمة، محذرين من أن يُقرأ بوصفه دعوة «لإطفاء الطابع اليهودي» للدولة. واقترح بعضهم التركيز على حالات النزوح الأحدث «لزيادة الصدى».


مع ذلك، فاجأ قرار الإيقاف فريق العمل، خاصة أن المدير التنفيذي الجديد كان من المساهمين في تقرير 2021 الذي وصف سياسات إسرائيل بالفصل العنصري. وعقب التعليق، وقّع أكثر من 200 موظف رسالة احتجاج أكدت أن المراجعة الصارمة حجر الزاوية للمصداقية، وأن حجب تقرير بعد اجتياز المسار الداخلي يخلق انطباعًا بتدخل غير مبرر ويقوّض الثقة.


سجال القيادة السابقة والحالية

 


دافع المدير التنفيذي السابق عن القرار، معتبرًا أن توقيت الانتقال القيادي أربك المسار وأن التقرير تبنّى تفسيرًا «متطرفًا» للقانون يصعب الدفاع عنه دعويًا. وردّ شاكر بأن العمل، وملف الأسئلة والأجوبة، والإصدار الصحفي أُنجز وجُهّز للنشر، وخلص إلى أن أي اعتراضات جوهرية كانت ستوقف المسار قبل نهايته لو كانت قائمة بالفعل.


ما الذي يعنيه الخلاف؟

 


تُبرز القضية توترًا بنيويًا بين الجرأة القانونية والحسابات الدعوية في العمل الحقوقي. ويؤكد المستقيلون أن حصر الاستنتاج في نزوح حديث يخلق مفارقة أخلاقية: كيف يُعدّ إنكار العودة لعام واحد جريمة، بينما لا يرقى إنكارها لعقود طويلة إلى ذلك؟


وفي ظل حرب غزة وتصاعد الجدل العالمي، تُظهر الاستقالات – كما يخلص التقرير – أن معركة السرد القانوني حول حق العودة لم تُحسم بعد داخل المؤسسات الحقوقية نفسها، وأن ثمن التردد قد يدفعه الباحثون والضحايا معًا.

 

https://www.theguardian.com/world/2026/feb/03/human-rights-watch-researchers-resign-palestine